عمار بوجلال، قسنطينة،
الجزائر
إذا ما قدر لحرب أن تشتعل بين كل من السعودية
وإيران هذا يعني نهاية كل وجود للعرب والمسلمين. السعودية لا يمكنها ربح المعركة بأية
حال من الأحوال وكذلك إيران. يبدو لي أن السعودية بإيعاز من حليفتها إسرائيل تسعى لاستفزاز
إيران، وإيران لا تريد الانزلاق نحو حرب شاملة لأن ذلك سيعطل كل مشاريعها التنموية
وسيرهق مواردها الاقتصادية. النظام السعودي تنقصه الخبرة السياسية ويعول على دعم الصهاينة
والغرب، لكن لا احد يضمن لهم ذلك. إيران في آخر المطاف ستضرب آبار النفط السعودية وهذا
سيجر الغرب وروسيا والصين إلى النزاع وقد يتحول الأمر إلى حرب عالمية.إيران ترى نفسها
قدمت الكثير للقضايا العربية العادلة وتحملت في سبيل ذلك الكثير من المضايقات والعقوبات، وصبرت طويلا وحملت شعبها ما لا يطيق، وتتمنى أن يدرك العرب تلك التضحيات الجسام ويعاملونها، قدر مواقفها الإيجابية من قضاياهم العادلة، أي أن تعامل معاملة حسنة تليق بها كدولة حليفة ومسلمة أما القول أن الشيعة "كفرة وزنادقة" فهو
كلام غير مسؤول ولا يرضي "الله ورسوله" وإنما قد يرضي أعداء الأمة الإسلامية، من الصهاينة وحلفائهم الاستعماريين. علينا بالإحسان إلى الناس ومعاملتهم بأحسن النوايا وإذا ما تبين لنا مكرهم وخبثهم ساعتها يمكن لنا مراجعة مواقفنا وسياساتنا تجاههم. كذلك يجب
التذكير أن إيران لا يتواجد بها الشيعة فقط بل الكثير من
الطوائف، ومن ضمنهم أتباع السنة وأتباع المذهب السلفي الوهابي المقرب من النظام السعودي، وإن كان
البعض يرى أنهم مضيق عليهم، حسب مصادر سعودية. الجمهورية الإسلامية ترى أن دول الخليج تمادت كثيرا في
ظلمها والإساءة إليها، وهي لا تفهم لماذا تضخم بعض المشكلات البسيطة على الحدود، أو قضية الاختلاف المذهبي القديمة، وتصر تلك الدول على رفض الحوارية الأخوي معها لإزالة الخلافات والشبهات مهما كانت طبيعتها؟ ألا يمكن معالجة الخلافات والمشكلات كلها بالحوار البناء والنية الحسنة؟ الحوار الذي يجمع ولا يفرق،
الحوار الذي يجنب أبناء الأمة الإسلامية الحروب والصراعات الدموية التي لا جدوى منها. أظن أن الحوار مع هؤلاء
ممكن ومفيد، بل وواجب، وليس من المستحيلات السبع. لماذا يتحاور بعضنا مع الدولة العبرية التي اغتصبت
أرضنا وانتهكت أعراضنا ولا يحدث ذلك مع إخوة لنا في الدين والمعتقد والمصير الواحد؟ نتفق ونتعاون معهم فيما يجمع
بيننا ويستقل بعضنا البعض في الباقي، أي أن يتصرف كل منا في المواقف المتبقية باستقلال تام من غير عداء وتآمر. الكثير
من المعلقين السياسيين يجدون صعوبة في تفسير أو فهم مواقف بعض الزعماء العرب من الجمهورية
الإسلامية: كيف يرفض الساسة العرب مثلا التحاور مع دولة مسلمة وجارة لهم؟
لماذا تجد دول مثل سوريا والجزائر سهولة في التعامل مع الجمهورية الإسلامية ويصعب ذلك
على المملكة العربية السعودية وحلفائها وهم الأقرب والأحق بالحوار معها؟ لماذا لا يتصافح الملك سلمان، حفظه الله، مع أخيه وشقيقه خمنائي، ويعالجان كل القضايا التي تشغل بال الأمة، بعيدا عن إملاءات الأجنبي وضغوطاته؟ ألم
يوص الله ورسوله بالإحسان والولاء للشقيق الجار؟
الوحدة والعيش في سلام ووئام مع الاشقاء غاية نبيله يجب التضحية من أجلها.
لو طبق هذا المبدأ في معالجة النزاعات والصراعات والتوترات داخل العالم العربي والإسلامي لأمكن تذليل وتسوية الكثير من الخلافات والمشاكل في تلك المنطقة. لماذا تدرك أمر يكا، مثلا وهي الدولة المسيحية، أهمية إقامة علاقات استيراتيجية مع الجمهورية الإسلامية ويفشل العرب في فعل ذلك؟ هل يعود الأمر في تصلب المواقف وتشنجها لتوظيف الدين والنعرة القومية في التعاملات مع الغير، أم يعود الأمر لفقدان السيادة والتبعية للمستعمر الذي لا يهمه سوى مصالحه؟ أم يعود الأمر لضيق الدائرة المسئولة عن صنع القرار والانفراد بالحكم الأمر الذي قد يحول دون دراسة المشكلات بشفافية وجدية ويعيق اكتشاف الحقائق والمؤامرات التي قد تتعرض لها الشعوب والأنظمة العربية والإسلامية؟ (هذه الفكرة الأخيرة يمكن القول أنها تقترب من الدقة إذا علمنا أن إسرائيل وأمريكا تسعيان جاهدتين لفرض أنظمة تسلطية على الشعوب العربية لأنها تخشى أن يستفيق العرب وينافسوها في كل شيء إذا ما طبقوا الديمقراطية التي تؤدي لتليين المواقف وبلورة اتجاهات متقاربة وأفكار تحضى بإجماع الغالبية منهم.ما حقيقة تبادل المؤامرات بين السعودية وإيران؟
منذ ما يزيد عن الثماني سنوات على سبيل المثال صرح أحد الخبراء الفرنسيين خلال إلقاءه محاضرة بجامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، أن العداء المعلن بين إيران والولايات المتحدة ليس عداء حقيقي بل هو عداء مصطنع، لإخفاء بعض المخططات، لكن في الخفاء يتعاملون بصداقة وثقة متبادلة. صرح بهذه العبارة الباحث برونو ايتيان Bruno Etienne، سنة 2008، والذي توفي سنة 2009. هذا الكاتب صرح أن السبب في إظهار العداء وإخفاء الصداقة بين إيران وأمريكا يرجع لخشية الولايات المتحدة من المد الصيني في المنطقة وأنها لم تعد تعول على النظام السعودي، ولم يقدم تفسيرا أو سببا يبين فقدان الأمركيين ثقتهم في الصديق التقليدي أي السعودية. موضوع المحاضرة التي ألقاها برونو إيتيان في تلك المناسبة لم يكن العلاقات العربية الإيرانية ولا حتى العلاقات الأمريكية العربية ولكن كان موضوعها حوار الأديان بين المسيحية والإسلام.
حقيقة علاقة الجمهورية الإسلامية بالدول العربية تبدو غامضة وغير بناءة، ونأسف لحدوث ذلك، لكن المعلومات بخصوص هذه العلاقات والمواقف شحيحة، وهي عبارة عن معلومات وتسريبات يطلقها العدو من حين لآخر، ولا يصح السعي لتأسيس مواقف سليمة انطلاقا منها كونها معلومات غير مكتملة وغير مؤكدة.
نحن العرب، اتباع السنة، خدعنا في إيران "المقاومة والممانعة" إنهم يوظفون كل حيلهم بما في ذلك الشعارات الطائفية لضرب اتباع السنة والعرب عموما. سأشرح ذلك باختصار.
يشنون حربا شاملة تحت شعار "لبيك يا حسين"، تبا لهم ولمن والاهم، ولعنهم الله وأخزاهم إلى يوم الدين. اليوم تسقط اقنعتهم كلها وتنكشف عوراتمهم. يريدون احتلال المنطقة خدمة لأسيادهم الأمريكان والإسرائيليين يريدون السيطرة على موارد النفط والمياه وتجويع العرب من أتباع السنة! لا يمكن الحياد والابتعاد عن الخطاب المتطرف طالما يوجد من ينكل بالضعفاء! لماذا يحل للأنظمة الشيعية في كل من سوريا وإيران، والعراق ولبنان، استخدام التطرف المذهبي والإيديولوجي، لا، بل وتقنينه وتكريسه سياسة ومبدأ في التعامل مع الخصوم؟ لكن القوى الكبرى لا تسمح بذلك لخصومهم، أي لأتباع المذهب السني؟ يقول الرسول الأعظم: "الدين النصيحة"، و"انصر أخاك ظالما أو مظلوما" بمعنى إن كان ظالما انهه عن الظلم وإن كان مظلوما خذ بيده وانصره على ظالميه. هذا لا نراه يحدث، الكل متعاون في ضرب العرب من أتباع المذهب السني. فهل نصح هؤلاء قوى الشر والتطرف في كل من إيران وسوريا وجنوبي العراق ولبنا؟ هل نصحوهم بترك الشعارات الطائفية والخطاب المتطرف؟ هم يعتبرون حربهم ضد أهل السنة حربا مقدسة، وحكامنا نحن، في العالم السني، يعتبرون الدفاع عن النفس إرهابا! هم يستخدمون شعارات ما أنزل الله بها من سلطان، شعارات لم تأمر بها حتى الشياطين كشعار: "الدفاع عن السيدة زينب"، و"لبيك يا حسين". إلى متى والسنة يتلقون الضربات دون منحهم حق الدفاع عن النفس: جعلوهم إرهابيين ومنكليهم مقاومين ومدافعين عن النفس تمام كما تفعل إسرائيل تضطهد أشقائنا الفلسطينيين منذ سبعين سنة ولا دافع عنهم.
(عمار بوجلال، 26-05-2015).
ومهما أصابت تلك التخمينات أو أخطأت الشيء الذي نؤكده أن عجز العرب عن إدراك ما كان يدبر لهم
من مخططات ومكائد أمر أضر بهم وجعلهم محل سخرية بين الأمم.
لماذا عجز النظام السعودي، مثلا، عن إدراك ما كان يخطط له مع أنه كان في
يوم ما ينسق ويخطط مع أصدقائه، الأمريكيين والإسرائيليين، لضرب إخوانه في العراق وسوريا؟
السعوديون يلقون باللائمة على "الفرس
الرافضة"، ويعاتبون "أصدقاءهم" الأمريكيين لأنهم غدروا بهم، لكنهم نسوا أو تناسوا أن التمسك بأفكار قديمة (بل ويمكن القول أنها أفكار أضحت مية) قد يكون سببا في تخدير
العقول ومنعها من ملاحظة ما يجري هنا وهناك. هذه الأفكار لوقت قريب كانت، على سبيل المثال، تمنع الأشقاء السعوديين من دراسة السياسة
وتعليمها لطلابهم أو دراسة علم الاقتصاد. هذه الأفكار ساهمت في خلط الدين بالسياسة ودعى أصحابها لتوضيف آراء وفتاوى فقهية في أمور السياسة والعلاقات بين الدول، على غرار الأحاديث الضعيفة المنسوبة للبخاري
وفتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليهم أجمعين. هؤلاء العلماء الأجلاء
اجتهدوا وكتبوا انطلاقا من ظروف العصر الذي عاشوا فيه. ماضي المسلمين والعصر الذي عاشوا فيه لا
ينطبق على عصرنا ومشكلاتنا نحن. في تلك العصور كان المسلمون يملكون زمام أمورهم، ووقتها
لم يكن اليهود يملكون دولة ويتحكمون بزمام
العالم. وقتها لم تكن أمريكا موجودة أصلا ولم يكن العالم الإسلامي مجزءا إلى
دويلات شتى كما هو الحال في عصرنا هذا. هذه الكتب والفتاوى التي تركها ابن تيمية ومحمد
بن عبد الوهاب وغيرهما انتهى دورها ولم تعد تجدي نفعا (على الأقل من وجهة نظر دارسي
السياسية والعلاقات الدولية والمختصين في الدراسات الاجتماعية، على شاكلة الباحثين في خلفيات الصراع والحروب ومسبباتها،
وما إلى ذلك).
حقيقة هذه الأفكار من ناحية أخرى لا تبدوا ميتة! بل هي أفكار حية، بل ويمكن القول أنها أفكار تحولت إلى "ثعبان" أو "حية" تسعى لتلقف كل شيء تجده في طريقها! هذه الأفكار، حية أم مية، لم تعد بالنفع على المسلمين! (وهو الشيء المحزن والمؤسف والذي يدمي قلوب العقلاء.)
هؤلاء درسوا واقعهم وتركوا لنا أفكارا وفتاوى صارت عبءا يرهق كاهلنا نحن أبناء العالم
السني. (عالم صار يعج بمرضى النفوس والعقول!) يجب التجديد وإلا انتهى بنا المطاف بعودة الاستعمار لديارنا من جديد وهو الأمر
الذي نراه يحدث. السعودية حاليا دولة موحدة وغدا، لا قدر الله، قد تقسم إلى دويلات شتى كما
قسمت السودان والعراق وسوريا... دويلات تحكمها إيران (التي انضمت لنادي الكبار، نادي الدول العظمى)،
أو إسرائيل وأمريكا، (دول الاستعمار التقليدي) أو الهند (الاستعمار البديل، أو قل الجديد القادم)، إلخ.
(يبدوا أنني أضيع وقتي في عبث: العربي لم يعد يخيفه شيء اسمه الاستعمار مهما كانت صفة ذلك الاستعمار: قديم أم جديد لا يهمه الأمر، ومهما فعلنا معه لن ينتبه لذلك البته! البعض يشغل عقله بمشكلات وقضايا مرت عليها قرون ويعتقد أنها أنها تحدث لأول مرة وللتو، والبعض راح يخطط للنجاة من قيام الساعة ونسي أن ذلك أمر بيد الله.) كتب محمد بن عبد الوهاب وفتاواه، على سبيل المثال، لم تساعد في الكشف عن المخططات التي حيكت ضد السعودية
وضد بقية البلدان العربية، لأنها مخططات دبرت ضد تلك الدول وضد غيرها من طرف دول لم تكن موجودة
أصلا في عهد ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب، أعني بذلك إسرائيل و أمريكأ.
يا عرب يا مسلمين، فيقوا أو استفيقوا من نومكم، وانتبهوا لما هو آت، ولا تشغلوا بالكم بما مضى من محن ومصائب ألمت بأمتكم! بل إن انشغالكم بتلك المشكلات والأحداث لن ينفعكم ولن يعود عليكم بالفائدة، لأن عدوكم أقوى وأذكى منكم وسيستغل تلك الجراح والمصائب القديمة لإحداث مزيدا من الجراح والآلام.
كما أتمنى أن يتفهمني الإخوة القراء وأن
يلتمسوا لي أعذارا إن كان كلامي هذا يبدو صادما ومتجاوزا لخطوطهم الحمراء، كما أذكر
أن هدفي ليس زرع الإحباط وقتل العزائم وإنما فقط التعبير عن واقع مر لم أعد أحتمل شدته.
كما أرغب في اغتنام الفرصة لأختتم بتوجيه
نصيحة متواضعة لكل منا والتي يمكن صياغتها كالآتي:
أيها الإخوة إن الموت قادم لا محالة،
وعلى كل منا أن يسأل نفسه: ماذا قدمت لبلدي وماذا قدمت لأمتي من فعل الخيرات؟ وماذا
قدمت لأخيي أو جاري من صفح وتنازلات لكي أعيش معه في سلام ووئام؟ أما قادتنا من أصحاب
الفخامة والجلالة فأوصيهم رفقا ورحمة بمستضعفي هذه الأمة التي تكالبت عليها الأمم بسبب
عجزنا وضعفنا وانقسامنا إلى أحزاب وطوائف شتى تخاصم بعضها البعض وتدير ضهرها للعدو
الحقيقي المتربص بأمنها ومصيرها.
والله ورسوله المستعان. اللهم
احفظ أمتنا من كل سوء. وابعد عنها كل مكروه.
No comments:
Post a Comment