Sunday, May 20, 2012

جبهة التحرير والمرحلة المقبلة

.


أ. عمار بوجلال
Constantine, Algeria, May 20th, 2012
بادئ ذي بدء أود تهنئة الشعب الجزائري وشكره على إخلاصه وتفانيه في حب الوطن واختياره جبهة التحرير الوطني التي برهنت أنها حزبا فوق الجميع، وأقول بورك فيك أيها الشعب العظيم وقوفك مع الوطن ومع جبهة التحرير الوطني، وأنك قد برهنت عن شجاعة ونضج سياسي عز نضيرهما، كما أنك لم تنتخب لصالح فلان أو علان وإنما انتخبت لصالح الوطن أولا وقبل كل شيئ، وأنك صوتت لصالح الاستقرار والوحدة الوطنية والاستقلال والحرية والتنمية الشاملة بما في ذلك خيار العدالة الاجتماعية.
أما ما هو مطلوب فعله من قيادة جبهة التحرير الوطني في المرحلة المقبلة، فيمكن إجماله في الآتي:
1.     عدم مضيعة الوقت في نقاشات هامشية والشروع مباشرة في العمل على تحقيق ما تبقى من برنامج الرئيس،
2.     الاعداد للمرحلة المقبلة بخطة تنموية شاملة تأخذ في الاعتبار محاربة ما تبقى من فساد مالي واقتصادي،
3.  تطهير الساحة السياسية من الطفيليين (أحزاب فشلت في الحصول على ثقة الشعب وأضرت بصمعة البلد). عليكم بإيجاد طريقة ما لإسكاة أصوات هؤلاء الفاشلين في الانتخابات الأخيرة والذين اختار الشعب كنسهم من الساحة السياسية، ورغم ذلك لايزالون يصيحون بأعلى أصواتهم بأن الشعب يريدهم: الشعب لم ولن يريدهم. يمكن القيام بذلك إما بتعيين لجنة وطنية تشارك فيها أحزاب ومنظمات المجتمع المدني وأساتذة جامعيين للتحقيق في ادعاءات (التزوير)، وإما بجر الذين يدعون التزوير إلى المحاكم والذين يعجزون عن تقديم الأدلة يغرمون وتعلق أحزابهم أو تحل بصفة نهائية.
4.  إن الشعب الجزائري لا يقبل أن تمس كرامته، وأن تشوه صمعة بلده في أوساط العالم. لا أحد عاقل يقبل بحرية تعبير تسيئ لصمعة الوطن.  

عمار بوجلال،
20 ماي 2012.

Friday, May 18, 2012

انتخابات 10 ماي، زورت أم لم تزور، المهم أن المعارضة خسرت ثقة الجزائريين

هذه مدونة عمار بوجلال، أستاذ جامعي جزائري، تهتم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ومكافحة الفساد السياسي والإداري، وبقضايا السياسة في الجزائر وبلدان الشرق الأوسط. كذلك تهتم المدونة بعلاقة الجزائر بدول الإتحاد الأوروبي. Am. Boudj’s Blog deals with: political development and regime change, human rights/democracy, corruption and good governance in Algeria and Middle Easten Countries, and other various topics.

أ. عمار بوجلال
Constantine, Algeria, May 18th , 2012
 
انتخابات 10 ماي2012 جرت في شفافية تامة.
 معظم الأحزاب التي شاركت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة خرجت مصدومة من النتيجة المحصل عليها، وترى نفسها "مضطرة" للإعلان أن الانتخابات زورت رغم التفاؤل الذي أظهرته قبل موعد إجراء الانتخابات (10 ماي 2012) ورغم حضور عشرات الآلاف من المواطنين عمليات الفرز، ورغم إعلان المراقبين الدوليين أن الانتخابات تمت في شفافية شبه كاملة. ما يقارب العشرين حزب (معارض) عبرت عن سخطها وربما ستقرر عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، بعضها طالبت بإعادة إجراء الانتخابات (المطعون في نزاهتها). هذا المنطق يعني أن كل حزب أو مترشح فاشل (أي فشل في تحقيق نتيجة إيجابية) من حقه أن يطالب رئيس الجمهورية بإلغاء الانتخابات التي فاز بها غيره، وأن تعطى له فرصة أخرى عسى أن يفوز. (يا له من منطق أناني شيطاني!).
مهما يكن فقد أسفرت انتخابات العاشر من ماي 2012 عن نتيجة هامة مضمونها أن الشعب لم يعد يثق بوعود وبرامج أحزاب فاشلة أعلنت (منافستها) للتيار الوطني والتي تحولت بين عشية وضحاها إلى أحزاب ساخطة وناقما على النظام، وهي التي كانت تعد المواطنين بجنات عرضها السماوات والأرض.
إلى متى سيستمر الأمر على هذا المنوال؟ وهل ستفرغ جعبة المتاجرين بالدين والسياسة من حيل ووسائل مختلفة هدفها تسطيح واستمالة عقول الجزائريين؟ متى ستنتهي هذه المهازل؟ ومتى سنشهد إجراء انتخابات في الجزائر ولا تتبع بانتقام وسخط واتهامات متبادلة، بل وأن ترضي نتيجتها كلا من الفائز والخاسر فيها.
المستقبل سيكشف عن كل ذلك.

ملاحظة: 
هذا التعليق سيعمق ويدعم بحجج وأدلة قاطعة ستظهر بأن الانتخابات البرلمانية الأخيرة لم تزور، وأن نسبة التزوير إن وجدت لا تتجاوز الواحد بالمائة، وهي نسبة لا تؤخر ولا تقدم في النتيجة العامة للانتخابات. أما المعارضة فأنصحها بقليل من التواضع، وأن تعمل بجدية حتى تكون في مستوى المسئولية وتحظى برضا المواطنين. 

عمار بوجلال،
18 ماي2012، العاشرة ليلا.

Saturday, May 12, 2012

الشعب الجزائري لا يريد التغيير: انتخابات 10 ماي 2012 بين الإعجاب والاستغراب



أ. عمار بوجلال
Constantine, Algeria, May 11th , 2012
لقد استفسر بعض الزملاء عن موقفي من نتيجة الانتخابات البرلمانية المنظمة في العاشر من ماي، 2012، والتي فاجأت العديد من الملاحظين والمتتبعين للساحة السياسية الجزائرية كونها كشفت أن الشعب الجزائري لا يرغب في التغيير وأنه أضاع فرصة ثمينة.
نتائج الانتخابات بالنسبة إلي كانت جد منطقية بالنظر للامكانيات التي تملكها جبهة التحرير الوطني، إمكانيات مادية معتبرة، مقرات ووسائل إدارية ضخمة، رصيد نضالي طويل، إطارات متفتحة تتمتع بتجارب ثرية، ويدرك أصحابها كيف يدغدغون مشاعر الجماهير، كما تفاعل أصحابها مع معظم التيارات والأيديولوجيات العالمية (ليسوا إنطوائيين، يعيشون للحاضر، ولا يحلمون بما مضى وانتهى). زيادة على ذلك فقد مارس رئيس الجمهورية حملة انتخابية خارج الوقت المحدد، ظاهريا قصد بها تقديم خدمة للوطن والأحزاب المشاركة في الانتخابات لكن عمليا خدمت أهداف الحزب الكبير بشكل أفضل.
وأيضا استطاعت جبهة التحرير الوطني تحقيق تلك النتائج الباهرة نظرا لغياب معارضة حقيقية، أحزاب قديمة قاطعت الانتخابات لفترة طويلة وخسرت جزءا من قاعدتها الشعبية، وأحزاب جديدة لم تتح لها الفرصة لاستكمال مرحلة البناء الذاتي استعدادا للانتخابات الزاحفة عليها، وهي أحزاب أخذتها الحملة الانتخابية على حين غرة. أحزاب ربما لم ترغب في المشاركة في الانتخابات قبل الاستعداد الكامل، لكن موعد الانتخابات انقض عليها في هجوم مباغة.
كذلك ساهمت أحداث الربيع العربي في تخدير عقول قيادات بعض الأحزاب الإسلامية خاصة وجعلتهم يعيشون في عالم شبيه بالخيال، حتى أن بعضهم صار أكثر انشغالا بتشكيل الحكومة، وكيف سيطبق (البرنامج) الذي وعد به الناخبين بدل أن يضيع وقته في انتظار نتائج صناديق الاقتراع.
أيضا هناك حقيقة هامة غابت عن أذهان العديد من قادة الأحزاب السياسية الصغيرة (المعارضة)، مضمون هذه الحقيقة أن قيم وثقافة الشعب الجزائري (نتيجة التخطيط المحكم من طرف أجهزة النظام، والأحداث المريرة التي مرت بها الجزائر خلال العشرية السوداء) تغيرت نوعا ما ولم يعد الشعب يتأثر بالخطاب الدعائي الأيديولوجي، كما أنه أصبح ينبذ التطرف ولا يحب المغامرات وسئم من الوعود والأحلام الغير واقعية، كما خلت الحملة من الخطاب الأيديولوجي المتطرف نتيجة قانون المصالحة وقانون الانتخابات الجديد الذي أكد على حملة نظيفة خالية من لغة التهييج والتجريح.
لم تفاجئني نتيجة الانتخابات بالنظر للامكانيات التي تملكها جبهة التحرير، لكنها فاجأتني من ناحية أخرى لأنني كنت أتصور أن كثرة الأوراق الانتخابية وقائمة الأحزاب الطويلة ستمنع حصول حزب معين على أغلبية معتبرة نظرا لتشابه الأحزاب وصعوبة الفرز بينها مما قد يفيد الأحزاب الصغيرة ويضر بحزب كبير كجبهة التحرير الوطني. لكن سارت الحملة الانتخابية كما خطط لها من طرف زعماء ومناضلي الحزب العتيق الذي هو حزب السلطة والشعب في آن واحد. (هذه المرة يبدو أن السلطة مدت يدها لحزب جبهة التحرير وأنها ابتعدت نوعا ما عن حزب الراندو.)
خلاصة القول أن النتيجة كانت منطقية، وأن الشعب الجزائري أراد تقديم دعم لحكومته نظرا للظروف الراهنة ونظرا للمؤامرات التي تحاك ضد الجزائر من هذا الطرف أو ذك، لكن هذا لا يعني أن من صوت على جبهة التحرير اليوم سوف لن يخرج في مظاهرة ضدها غدا.
أخيرا، أقول: هنيئا للشعب الجزائري، وهنيئا للأحزاب الفائزة بالانتخابات، وصبرا صبرا جميلا للذين لم يوفقهم الحظ هذه المرة. (المرة القادمة سيعملوها، وقد تتحقق الأحلام). (عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.)
عاشت الجزائر، وعاش شعبها العظيم، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار الذين ضحوا من أجل أن تحيا الجزائر حرة شامخة.

عمار بوجلال، 
تحديث:  12 ماي، 2012.

Sunday, March 11, 2012

صراع العلمانيين والإسلاميين في الجزائر، صراع مبادئ أم صراع ثروة ونفوذ؟

أ. عمار بوجلال
Constantine, Algeria, March 12th updated May 20th , 2012

لقد تفشى الفساد في هذا الزمان وتأزمت الحياة واختفت القيم النبيلة، وتصارع القوم على السلطة والثروة وصار طبيعيا أن تجد بعض المتاجرين في السياسة وقد نصب نفسه مدافعا عن الوطن والشعب وراح يكيل التهم لغيره من السياسيين المنافسين والمواطنين الأبرياء معتمدا طريقة التشكيك والقذف في نزاهة الآخرين وإخلاصهم للأمة والوطن. وأحيانا يستخدم هؤلاء أسلوب التهديد والوعيد كطريقة لترهيب المناوئين والمعارضين لقناعاتهم وطريقة حياتهم ورأيتهم الخاصة لعلاج المشكلات والقضايا التي تشغل بال الأمة والمواطن. هذا الوصف يعكس بصفة عامة موقف العلمانيين من خصومهم الإسلاميين الذين بدورهم يصفون خصومهم (العلمانيين) بالمارقين والزنادقة "الذين تآمروا على الدين والوطن وباعوا أخراهم بدنياهم" ولم يعد لهم من دور سوى تخريب العقول ونشر الفواحش والرذائل في صفوف الشباب، بل وأعلنوا الحرب على الله ورسوله وعلى المؤمنين كافة. إنهم يعتقدون (أعني الإسلاميين) أن  واجب الدفاع عن الدين فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأن قلقهم على الدين  ومصير العباد (يوم القيامة) هو المحرك الأساسي لحركتهم التي لم ولن تتراجع عن المطالبة بحماية الدين وتطبيق الشريعة في بلد يكاد يكون كل سكانه  مسلمين إلا القلة القليلة منهم التي انسلخت عن دينها بسبب عدم وجود حكومة إسلامية تسهر على حماية الدين وتسعى لتخليص العباد من عبادة الشيطان وتجنبهم المصير المشئوم.  
أتصور أنه يوجد العديد من أبناء هذا الوطن الذين يريدون معرفة من خول هؤلاء وألئك السادة والسيدات لكي ينصبوا أنفسهم ناطقين باسم الشعب والوطن، ومن ثم السماح لأنفسهم الإساءة لحقوق وحريات غيرهم من المواطنين كأن يتهموهم بالجهل والفساد وخيانة الوطن والأمانة، وغير ذلك. إن هؤلاء المواطنين يريدون صراحة أن يعرفوا كيف يحق للبعض دون سواهم الكلام باسم الجميع، ويفرضون على غيرهم ما يعتقدون أنه الصواب دون الارتكاز على نص منزل أو قانون صادر عن جهاز تشريعي منتخب بصورة ديمقراطية شفافة؟
يقول بعض العلمانيين الذين نصبوا أنفسهم مداعين عن الوطن والشعب أن مناوئيهم (من الإسلاميين) خونة ويعملون ضد مصلحة الأمة، وأنهم يريدون بيع الوطن للأجانب. لكن لإثبات صحة هذه الادعاءات من عدمها يجدر بنا طرح التساؤل الآتي: هل يستطيع من لا يملك أن يبيع ما لا يملك؟ أي أن الذي لا يملك منصبا حساسا أو ثروة ما، فماذا عساه أن يبيع؟ إن الملاحظ هنا وهناك أن من باع أرض الوطن، وباع مقدرات الأمة للأجانب هم الذين يملكون مفاتيح كل شيء. أما غيرهم، من الذين لا يملكون حتى التصرف في أنفسهم، فماذا عساهم أن يبيعوا؟ وما دامت الوقائع تؤكد وتثبت أن من لا يملك لا يستطيع البيع، فلماذا تجد البعض ممن نصب نفسه مدافعا عن الوطن وناطقا باسم الشعب يتهم غيره، من الذين لا يملكون حتى التصرف في ذواتهم، بالعمالة للأجنبي والخيانة للوطن؟
عجبا لهؤلاء الأذكياء يخلقون من العدم قضية، ومن الفراغ أشباحا ومخلوقات تعمل جاهدة لتخريب الوطن، تريد بيعه للأجانب. يا لهم من أذكياء، يريدون حماية الوطن من الشعب، ويريدون حماية الشعب من أبنائه البررة. يضعون حواجز بين الدولة والشعب، يريدون "حمايتها من الأخطار الآتية من الشعب". لكن إذا كان ذلك هو واقعنا، ومصيرنا ألا يحق لنا أن نطرح تساؤلا حول الهدف من إنشاء الدولة، والهدف من تحرير الوطن وانتزاع الحرية من المستعمر السابق. فنقول: لخدمة من ولمصلحة من وجدت الدولة إذن، إن لم تكن في خدمة الشعب وتعمل لمصلحته؟



في الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، أعلنت زعيمة حزب سياسي جزائري الحرب على بعض الشخصيات والتشكيلات الحزبية الإسلامية في الجزائر إما خوفا على حظوظ  حزبها في الانتخابات المقبلة (التي ستجرى في 10 من ماي 2012)، وإما خوفا من أن يصل إسلاميون "متشددون" إلى الحكم ويهددوا السلم الاجتماعي كما يظن كثيرون في هذا البلد وغيره. لكن أليس من الأفضل انتظار ما ستأتي به الانتخابات المقبلة ثم نحكم على البعض طبقا لأفعالهم وسلوكياتهم في الميدان وليس طبقا لشعارات وأحكام مسبقة نطلقها عليهم باسم الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو باسم الدفاع عن السيادة الوطنية؟[1]
 أعتقد أن الشريعة الإسلامية تتسم بالمرونة والاعتدال، وتعد أقل الشرائع السماوية تضييقا على الحريات الفردية والجماعية كما اتسم تطبيقها بالتسامح والمعاملة الحسنة حتى تجاه المخالفين للدين الإسلامي، وقلما تجد دينا أو شعبا أكثر تسامحا من الإسلام والمسلمين في تعاملهم مع أعدائهم وخصومهم. قارن ذلك بما فعل أصحاب الأديان والأيديولوجيات الأخرى، فقد تميزت الشيوعية على سبيل المثال بالتسلط على أصحاب العقائد والأديان السماوية وأنها اعتبرت الأديان مجرد تخدير لعقول الناس. جوزيف ستالين، مثلا، نكل بملايين الأبرياء وعمل على تهجير الملايين من سكان الإتحاد السوفييتي سابقا، بعضهم مسلمين، وأقام لهم محتشدات في صحراء سيبيريا.
بالمقابل هل اقترف الإسلام والمسلمون طيلة تاريخهم الطويل والممتد على مدى أربعة عشر قرنا جرائم كالتي ارتكبها ستالين ولينين وهتلر وغيرهم؟ لماذا إذن الخوف والتخويف من الإسلام والإسلاميين؟ هل سيخالف الإسلاميون الجدد القرآن الكريم والسنة النبوية ويرتكبون الجرائم الشنعاء تماما كما فعل غيرهم؟ اطمإنوا، لن يظلم أحد على أيدي الإسلاميين، المعتدلين خاصة، والذين (يدركون مصلحة شعبهم ووطنهم، ويتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله). إن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، لم يشغل باله بحب الدنيا، ولم يطلب من صحابته وأتباعه من بعده سوى الإخلاص للعقيدة وتنقية عقولهم من الشرك بالله، كما أمرهم بإنصاف العباد والإحسان إليهم ولو كانوا من غير المسلمين، وأمرهم أيضا باقتسام رغيف الخبز والتعاون على البر والتقوى ونصرة المستضعفين، ولم يأمرهم بالظلم والعدوان على غيرهم، وما الجهاد الذي مارسه الرسول والصحابة من بعده سوى دفاعا عن النفس، وصدا لعدوان وقع على المسلمين حين منعوا من ممارسة عبادتهم، بل وأمروا بالشرك بالله وعبادة الأصنام.
من ناحية أخرى نجد الذين نصبوا أنفسهم مدافعين عن الوطن والأمة ليسوا أفضل من غيرهم بالنظر للوضع الذي آلت إليه أحوال العرب والمسلمين حيث نجدهم عالة على غيرهم يعيشون تحت رحمة أمريكا التي تأتمر بأوامر إسرائيل وإذا لم تطعمهم أمريكا وإسرائيل فقد يضيعون جوعا. الحل بالطبع لا يكمن في استخلاف فئة بفئة للتداول على استغلال موارد البلد والانتفاع بها دون غيرهم من أبناء هذا الوطن وذك.
فعلى سبيل المثال بعض الذين حكموا الجزائر ساهموا في إضاعة الأراضي الفلاحية وتحويلها إلى مباني وطرقات ومصانع مفلسة بسبب المركزية الشديدة والتبعية للشركات الأجنبية، والبيروقراطية وسوء التسيير. كذلك ضيع بعضهم ثروات البلد في صفقات مشبوهة بسبب التهور والجهل بالقانون والجهل بأبجديات التفاوض التجاري، راجع على سبيل المثال تقارير الصحافة حول تعامل سونطراك مع الشركات الأجنبية لتطلعك بالأرقام المرعبة على الثروات التي ضيعت بسبب القوانين المخالفة للأعراف الدولية، وبسبب العجز عن التسيير.[2][2]
كذلك استهدف بعضهم القطاع العمومي باسم الخصخصة واقتصاد السوق، وتطبيق أساليب التسيير الحديثة. هذا بالطبع يكون قد خدم مصلحة الشركات الأجنبية، الفرنسية منها على الخصوص، حتى صرنا عالة على غيرنا نستورد كل شيء من الخارج. حتى أبسط الضروريات كالإبرة والقلم، والثوم والبصل وهي مواد كانت في زمن مضى تزرع وتنتج في أغلب الحدائق التابعة لمنازل الجزائريين صارت في عهد اقتصاد الاستيراد والتصدير بضائع يتحكم بها تجار مافيا همهم الوحيد الربح السريع ولو تسبب ذلك في تلاشي السيادة الوطنية، أو زاد في الضغط على المواطنين ذوي الجيوب الفارغة. كذلك ساهم هؤلاء في إفلاس الشركات الوطنية نتيجة التقاعس عن محاربة الفساد والمفسدين، والعمل على تغييب الرقابة الفاعلة التي تميز الخبيث من الطيب، عن طريق تهميش المراقبين وتحييدهم بكل الوسائل والطرق كضعف التكوين وعدم توفير الوسائل والحماية اللازمة وكذا تهميشهم في الرواتب والأجور.
 ثم إذا كان لتلك المشكلات المذكورة أعلاه أسباب ومبررات، ألا يمكن تداركها حتى في عز الأزمة التي تضرب الاقتصاد الأمريكي والأوروبي؟ هل يوجد مانع من بناء صانعة حديثة في الجزائر تسمح بخلق مناصب عمل إضافية، وتضيف مصادر جديدة لثروة حقيقية تكون بديلة عن قطاع المحروقات، وتسمح بالتخفيف من معاناة الفقراء والبطالين؟ إلى متى يظل الاقتصاد الجزائري يعتمد في الأساس على قطاع واحد وهو قطاع البترول الذي سينضب عما قريب؟ إن أسعار البترول قد تنخفض بشكل حاد ومفاجئ تماما كما حصل في الماضي القريب، سنة 1988 لا زالت تؤرق البعض منا، وساعتها سيدخل البلد في فوضى لا يمكن التنبؤ بنتائجها، ولا تستطيع أية سياسة أو حكومة مواجهة نتائجها العكسية. لقد حصل ذلك بالفعل في الماضي القريب وشاهدنا أن من يتحمل نتائجها المكلفة هم البسطاء الذين لا يملكون ثروات ولا يملكون حسابات بنكية في الخارج.
هل نحن فعلا محصنين ضد الأزمات؟ أم أن تخوين البعض، وتهديد ومصادرة حقوق البعض الآخر، سيقي الوطن من كل الهزات والأزمات؟ سوف لن يتحقق الأمن المنشود في هذا البلد، أو ذاك، وسوف لن ينعم ساكنوه بالسلم والأمن ما لم يدرك أصحاب القرار أنه قد حان الوقت لفتح كل الفرص لجميع المواطنين دون استثناء، كل حسب مقدرته وكل حسب مساهمته في خدمة الوطن من دون إقصاء؛ الكل شركاء في خدمة الوطن ولا أحد منهم يحق له استغلال الدين أو الثقافة أو الإرث التاريخي خدمة لمصالحه ومصالح جماعته.
كذلك حان الوقت للعمل بجدية من أجل حل المشكلات الوطنية كالبطالة والفقر والسكن، وغير ذلك. من الأولويات الملحة أيضا أن يعمل الجميع حكومة وشعبا على محاربة الفساد والمفسدين بالسلوك والفعل لا بالكلام والشعارات ولا بالقوانين التي لا تنفع ولا تطبق سوى على الضعفاء، وأن توزع الثروات والأعباء بالعدل على كل المواطنين والمواطنات دون تمييز. وفوق ذلك كله أن تطلق الحريات، فردية كانت أم جماعية، دون قيود باستثناء بعض الضوابط الضرورية التي يكون هدفها حماية الحريات والمقدسات، والتي يجب أن تحدد شروطها طبقا لمبادئ الشريعة الإسلامية، والقانون الدولي المتضمن لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل الدولة الجزائرية.

أ. عمار بوجلال من الجزائر،
آخر تحديث للمقال يوم 20 ماي، 2012.



[2][2] . راجع جريدتي الخبر والوطن ليوم 10 مارس 2012.  

Saturday, February 18, 2012

العرب لم ولن يستوعبوا الدرس- لماذا تستعصي الأزمة السورية على الحل؟

تعليق على مقال لعبد الباري عطوان: "الجامعة عاجزة والسوريون ضحاياها" نشر بالقدس العربي (يوم 15-02-2012)، يمكن الإطلاع عليه باتباع الرابط التالي:

Amr Boudj.


معظم دول الخليج ليس لها من دور سوى حماية المصالح الغربية حتى ولو أدى ذلك إلى تقسيم البلدان العربية إلى طوائف شيعية وسنية، بما فيها دول الخليج نفسها، إنها أنظمة تلعب بالنار. كان يمكن أن تجد القضية السورية حلا عادلا لها بمساعدة دول عربية لو وجدت النوايا الحسنة، لكن بعض تلك الحكومات تآمرت على النظام السوري وحرضت المعارضة على التشدد في مواقفها الداعية للتغيير الجذري للنظام في سورية. هذا أمر ليس من المستحيل وقوعه لكن يصعب حصوله بدون تضحيات جسام ودون العودة بالعالم العربي إلى عهد القرون الوسطى. أيضا من الإنصاف القول أن سبب تعفن الوضع في سورية تعنت النظام في سورية وتسلطه على الشعب السوري؛ كان يمكنه إصلاح نفسه مباشرة بعد سقوط النظام الشيوعي وتفكيك الإتحاد السوفييتي إلى دويلات، أما بعد ظهور الإنترنت والفضائيات المتآمرة على كل ما هو قومي عربي تحقيقا لمصلحة إسرائيل فقد صار لزاما إصلاح تلك الأنظمة الأحادية التي تعلن عداءها لإسرائيل خاصة بعد أن صار لهذه الدولة أصدقاء في العالم العربي يمكن التعويل عليهم في تحقيق مصالح أمريكا وإسرائيل.  
صحيح أن الدول الغربية لا تريد التورط في حروب إضافية للأسباب التالية: 1) فشل الحروب السابقة، 2) دخول كل من الصين والروس على الخط لحماية مصالحهما، 3) الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالدول الغربية. لكن ذلك قد لا يمنع هذه الدول من التدخل في الأزمة السورية ومحاولة حسمها لصالح المعارضة والأنظمة الخليجية وكذا تحقيقا لمصلحة إسرائيل. هذا التدخل قد يأت في نهاية المطاف بعد توريط البلدان العربية في المشكل السوري الداخلي، وبعد إنهاك الجيش والمعارضة السورية  كما حصل في ليبيا. إيران استفادت من الوضع في العراق وأفغانستان لكن البلدان العربية لم تستفد من ذلك بسبب المواقف المتخاذلة لبعض البلدان العربية، قطر والسعودية على الخصوص، وتآمرها على بعضها البعض. ماذا قدمت تلك الأنظمة للثورات العربية؟ لم تقدم مساعدات اقتصادية لنصرة الثورة بعد نجاحها في كل من تونس ومصر وليبيا سوى المزيد من الوعود والكلام المعسول. هذه الثورات قد تنقلب على نفسها يوما ما، أي أنها قد تنقلب إلى ثورات مضادة بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها.

عمار بوجلال، 18 فيبراير، 2012.