Friday, July 11, 2014

هل من سبيل لمصالحة بين جماعة الإخوان والحكومة المصرية؟


تعليق على مقال لرئيس جمعية العلماء الجزائريين يدعو فيه المصريين لمصالحة وطنية 

عمار بوجلال
Constantine, Algeria, July 11th , 2014

اللهم إن أصبت فمنك وحدك، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. اللهم أحفظ أمتنا من كل سوء، ووحد بين صفوف أبنائها، ولا تجعلها لعبة بين الأمم. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، إنك تعلم أن التفرقة ضلال للعقول وخراب للأوطان، فباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم آمين.

                                          عمار بوجلال، الجزائر، جامعة الأمير عبد القادر


 
 هذه دعوة تصالحية ذات أهمية بالغة لمعالجة الأزمة المتفاقمة في مصر كونها تأتي في زمن قلت فيه الدعوات النزيهة للتصالح بين أبناء الشعب الواحد والوطن الواحد. إنها كذلك، دعوة ضرورية وملحة، لكنها تبدو غير متوازنة ويخشى أن لا تجد لها آذانا صاغية في مصر كونها تلقي باللائمة على طرف دون طرف آخر، رغم اعتراف صاحبها، أو أصحابها "أن مصر، لا يبنيها فريق واحد، ولا مذهب واحد، وإنما يبنيها الإيماني، والعلماني، والقبطي والإخواني"... هذا كلام مفيد ويمكن أن يوجه لكل طرف فاعل متسبب في وقوع الأزمة الحالية التي تعصف بمصر. لكن القول أن الحكومة الحالية تعتقل وتحاكم قيادات المعارضة بسبب تعبيرهم عن الرأي وحرية الفكر هو كلام  مجانب للصواب نوعا ما، لأن واقع الحال يقول أن المعارضة أيضا قد أعلنت الحرب على الدولة والاقتصاد المصري ولم تبد أي ميل للحوار البناء الذي يكون بتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، والذي يتطابق والحل الوسط مجسدا في مبدأ "الوسطية والاعتدال" الذي تدعيه حركة الإخوان. كيف يكون منع الضرر الذي يلحق بالدولة والاقتصاد دون استخدام الشدة أحيانا؟ (أو كما يقول لسان حال الحكومة المصرية اليوم.) يقول أصحاب هذه المبادرة، كما ورد بأسبوعية البصائر لسان حال جمعية العلماء الجزائريين، الصادرة بتاريخ  07-13جويلية العدد 712:"عجيب -والله- لدولة تسجن، رؤساءها، وتعدم علماءها، وتعتقل حكماءها، وتعذب فقهاءها، وتكمم شعراءها، وتقصي نبلاءها، ثم تطمح أن تحقق الاستقرار والديمقراطية".[1] حقيقة أرى أن هذا الكلام لا يكشف عن حياد أصحابه ولا يفيد في تقريب المواقف بين الأشقاء المتناحرين. الصواب، في رأيي المتواضع، أنه كان يجب الاعتراف أن الجميع، حكومة ومعارضة،  أخطئوا في حق الوطن والشعب.

من هنا بات حتميا مطالبة جميع أطراف الأزمة في مصر بضرورة التحلي بالحكمة والتعقل وتغليب المصلحة العليا للبلد على المصالح الحزبية والاتجاهات المذهبية الضيقة. ليس من المهم أن يكون المرؤ إسلاميا، علمانيا، أو قبطيا؛ بل الأهم من ذلك أن يكون مواطنا في خدمة وطنه وفي عون حكومته، فالمسلم (الحقيقي) هو السلم الذي يسلم المسلمون وأوطانهم من لسانه ويده.

 إن زمن حروب الجاهلية وخراب الأوطان قد ولى إلى غير رجعة، أعني عدم جدوى كل ذلك بسبب شح الموارد وازدياد الحاجات الاجتماعية وكثرة المطالب على السلع والخدمات. تصوروا حال البلدان والمجتمعات اليوم كحال المتسابقين ضمن "ماراتون" شاق طويل حيث أن كل من يتعثر أثناء السباق سوف يخسر لا محالة. من هنا وجبت المطالبة بعدم تبديد الطاقات والثروات فيما لا ينفع الناس والأوطان. إن مصر، كما أشار رئيس جمعية العلماء الجزائريين، لا يمكنها الاستغناء عن أي من مواطنيها، فكل فرد من أفراد شعبها معني بخدمتها.

لكن يبدو أن جماعة الإخوان في مصر لم يدرك قادتها بالضبط ماذا حصل لهم. إنهم يعتقدون (خطأ) أن من جعلهم يفقدون ثقة الشعب المصري ويخسرون الحكم هم جماعة السيسي ومن يقف خلفهم. لا، بل إنهم إما لا يدرون، أو يرفضون الاعتراف، أن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي عجزوا عن حلها (بعد رفعهم سقف المطالب والتوقعات الشعبية عاليا) هي التي كانت السبب المباشر في هزيمتهم. هذه المشكلات قد تعجز أية حكومة أو حزب عن حلها ناهيك عن جماعة لا تمتلك الخبرة الكافية لإدارة الشؤون الاقتصادية والسياسية بالحنكة والذكاء اللازمين. يكفي القول أن تلك المشكلات كانت السبب الأساسي في سقوط نظام مبارك، وأنها كانت السبب الرئيس في قيام الثورات وسقوط الأنظمة عبر التاريخ العالمي المعاصر. (عندما تفرغ معدة إنسان ولا يجد شيئا يسد به رمقه، هل يهمه من يحكم من؟ وهل يبالي بعد ذلك بحياة أو موت؟)

 آه لو تفطن الإخوان، بادئ ذي بدء، وأدركوا أنه كان يتوجب عليهم تخصيص جهودهم وطاقاتهم لخدمة القضايا الاجتماعية والدينية في مصر لكان ذلك أفضل سند وعون يقدمان لمصر وشعبها من طرفهم. أقصد لو اكتفى علماء الشريعة هناك بدورهم الطبيعي المكمل والمساند لحكومة مدنية التي يتوجب أن يكون همها الأساسي خدمة الشعب والوطن ليس إلا. هكذا سيكون التغلب على الصعاب والمشكلات. وهكذا سيتمكن القادة في مصر من الحفاظ على كيان الدولة ووحدتها، ويتمكنوا من الرقي بوحدة الشعب وتحقيق آماله المشروعة.

إن ما حدث ويحدث بمصر وغيرها (كالعراق، واليمن، وسورية) لم يخدم لا الدين ولا الوطن وإنما خدم أغراض الشياطين من الجن والإنس. إن المتسببين في ارتكاب تلك الأخطاء والحماقات لا يمكنهم التذرع بمذهب أو عقيدة عندما يعرضون غدا على خالقهم. على هؤلاء المطالبين بتطبيق الشريعة في ظل ظروف الإنقسام الديني والمذهبي الذي تعيشه أمة محمد اليوم، عليهم بضرورة تصفية سرائرهم وضمائرهم من كل خلاف أو اختلاف ديني ومذهبي: أي أنه يتوجب عليهم تنقية ضمائرهم من شوائب كل تعصب لزعيم أو مذهب بعينه. وقبل مطالبة غيرهم بتطبيق شرع الله، عليهم أن يعلنوا للناس إيمانهم بالإله الواحد وبالقرآن الواحد وبالسنة النبوية الواحدة (أي السنة النبوية المجمع على صحتها). (إن الإيمان الصادق الذي يتوجب على كل منا السعي لتنميته بداخله هو إيمان يرسخ  في القلوب وتجسده الأعمال الصالحة في الميدان.)

ما زاد عن ذلك قد يدخلنا في متاهات الشرك بالله والبعد عن هدي نبيه محمد رسوله، صلوات الله وسلامه عليه.

ليس القصد من كتابة هذا التعليق التشفي بأحد أو جماعة إنما كتبته رغبة في التنديد بما حدث ولا يزال يحدث لأمتنا باسم الدين أو المذهب أو الديمقراطية أو غير ذلك من المسميات والحجج الواهية التي تتخذ ذريعة لضرب الوحدة الوطنية التي هي امتداد لوحدة الأمة الإسلامية. أقول لا لتدمير الأوطان في العالم العربي أو الإسلامي. نعم لكل ما يجمع ويوحد، وينشر السلام في ربوع هذه الأمة العظيمة، أمة الإسلام، وأهلك اللهم كل من سعا نحو خرابها وتفريقها إلى جماعات متناحرة. أتمنى أن تسهم هذه الدعوة في مؤازرة الجهود الرامية لإصلاح ما أفسدته السياسة والإيديولوجية، وأن تكون سعيا مشكورا إن شاء الله، في سبيل الرقي بأمتنا إلى أعلا المراتب بين الشعوب والأمم. كما أتمناها أن تكون سعيا لحفظ الدين وصونا لمصالح العباد.
اللهم إن أصبت فمنك وحدك، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. اللهم أحفظ أمتنا من كل سوء، ووحد بين صفوف أبنائها، ولا تجعلها لعبة بين الأمم. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، إنك تعلم أن التفرقة ضلال للعقول وخراب للأوطان، فباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم آمين.

 





[1] . راجع المقال الأصلي بموقع أسبوعية البصائر التابعة لجمعية العلماء الجزائرية:


راجع أيضا نفس الخبر الوارد جريدة الأحداث، 06-07-2014، على الرابط الأتي:

http://www.elahdath.net/lates-news/39824.html

 

 



 



[1] .  راجع المقال الأصلي بموقع أسبوعية البصائر التابعة لجمعية العلماء الجزائرية:
راجع أيضا نفس الخبر الوارد جريدة الأحداث، 06-07-2014، على الرابط الأتي:
http://www.elahdath.net/lates-news/39824.html
 

 

No comments:

Post a Comment